العيني
167
عمدة القاري
يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأنَا بِيَدِي الأمْرُ أُقَلَّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ . مطابقته للترجمة ظاهرة . والحميدي عبد الله بن الزبير ، وسفيان بن عيينة والزهري محمد بن مسلم . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد عن الحميدي أيضا . وأخرجه مسلم في الأدب عن إسحاق بن إبراهيم وابن عمر . وأخرجه أبو داود فيه عن ابن السرح ومحمد بن الصباح . وأخرجه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الله بن يزيد . قوله : ( يوذيني ابن آدم ) قال القرطبي : معناه يخاطبني من القول بما يتأذي من يجوز في حقه التأذي ، والله منزه عن أن يصير إليه الأذى ، وإنما هذا من التوسع في الكلام ، والمراد ، أن من وقع ذلك منه تعرض لسخط الله عز وجل . وقال الطيبي : الإيذاء إيصال المكروه إلى الغير قولاً أو فعلاً أثر فيه أو لم يؤثر ، وإيذاء الله عبارة عن فعل ما يكرهه ولا يرضى به ، وكذا إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : ( يسب الدهر ) ، الدهر في الأصل اسم لمدة العالم وعليه قوله تعالى : * ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر ) * ( الإنسان : 1 ) ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة ، وهو خلاف الزمان فإنه يقع على المدة القليلة والكثيرة ، فإذا المراد في الحديث بالدهر مقلب الليل والنهار ومصرف الأمور فيهما فينبغي أن يفسر الأول بذلك كأنه قيل : تسب مدبر الأمر ومقلب الليل والنهار ، وأنا المدبر والمقدر ، فجاء الاتحاد . قوله : * ( وأنا الدهر ) * ، قال الخطابي : معناه أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي تنسبونها إلى الدهر ، فإذا سب ابن آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إليّ لأني فاعلها ، وإنما الدهر زمان جعلته ظرفا لمواقع الأمور ، وكان من عادتهم إذا أصابهم مكروه أضافوه إلى الدهر ، وقالوا : وما يهلكنا إلاَّ الدهر وسبوه ، فقالوا : بؤسا للدهر ، وتبا له إذا كانوا لا يعرفون للدهر خالقا ويرونه أزليا أبديا ، فلذلك سموا بالدهرية ، فاعلم الله سبحانه وتعالى أن الدهر محدث يقلبه بين ليل ونهار لا فعل له في خير وشر ، لكنه ظرف للحوادث التي الله تعالى يحدثها وينشئها . وقال النووي : أنا الدهر بالرفع ، وقيل بالنصب على الظرف . قلت : كان أبو بكر بن داود الأصفهاني يرويه بفتح الراء من الدهر منصوبة على الظرف أي : أنا طول الدهر بيدي الأمر ، وكان يقول : لو كان مضموم الراء لصار من أسماء الله تعالى ، وقال القاضي : نصبه بعضهم على التخصيص ، قال : والظرف أصح وأصوب ، وقال أبو جعفر النحاس : يجوز النصب أي : بأن الله باق مقيم أبدا لا يزول . قال ابن الجوزي : هذا باطل من وجوه : الأول : أنه خلاف النقل ، فإن المحدثين المحققين لم يضبطوه إلاَّ بالضم ، ولم يكن ابن داود من الحفاظ ولا من علماء النقل . الثاني : أنه ورد بألفاظ صحاح تبطل تأويله وهي : لا تقولوا : يا خيبة الدهر ، فإن الله هو الدهر . أخرجاه ، ولمسلم : لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر . الثالث : تأويله يقتضي أن يكون علة النهي لم تذكر لأنه إذا قال لا تسبوا الدهر . فأنا الدهر أقلب الليل والنهار ، فكأنه قال : لا تسبوا الدهر وأنا أقلبه ، ومعلوم أنه يقلب كل شيء من خير وشر ، وتقلبه للأشياء لا يمنع ذمها وإنما يتوجه الأذى في قوله : ( يؤذيني ابن آدم ) على ما كانت عليه العرب إذا أصابتهم مصيبة يسبون الدهر ، ويقولون : عند ذكر موتاهم ، أبادهم الدهر ، ينسبون ذلك إليه ويرونه الفاعل لهذه الأشياء ولا يرونها من قضاء الله وقدره . قلت : قوله : أقلب الليل والنهار ، قرينة قوية دالة على أن المضاف في قوله : إنا الدهر . محذوف وأن أصله خالق الدهر ، لأن الدهر في الأصل عبارة عن الزمان مطلقا والليل والنهار زمان ، فإذا كان كذلك يطلق على الله أنه مقلب الليل والنهار ، بكسر اللام ، والدهر يكون مقلبا بالفتح ، فلا يقال : الله الدهر مطلقا . لأن المقلب غير المقلب فافهم ، وقد تفردت به من ( الفتوحات الربانية ) وعلى هذا لا يجوز نسبة الأفعال الممدوحة والمذمومة للدهر حقيقة ، فمن اعتقد ذلك فلا شك في كفره ، وأما من يجري على لسانه من غير اعتماد صحته فليس بكافر ولكنه تشبه بأهل الكفر وارتكب ما نهاه عنه الشارع فليتب وليستغفر . 64 ( ( * ( سُورَةُ ح 1764 ; م الأحْقَافِ ) * ) ) أي : هذا في تفسير بعض سورة الأحقاف ، وفي بعض النسخ ح 1764 ; م الأحخقاف ، وفي بعضها : الأحقاف ، وفي بعضها ومن سورة الأحقاف ، وقال أبو العباس ، هي مكية وفيها آيتان مدنيتان * ( قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به ) * وقوله : * ( وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) * وهي ألفان وخمسمائة وخمسة وتسعون حرفا وستمائة وأربع وأربعون كلمة وخمس وثلاثون آية . والأحقاف . قال الكسائي : هي ما استدار من الرمل ، واحدها حقف ، وحقاف ، مثل : دبغ ودباغ ، ولبس